عرض مشاركة واحدة

قديم 08-04-2008, 07:16 AM

  رقم المشاركة : 3 (permalink)
معلومات العضو
عبدالله الثبيتي
مشرف عام
 
الصورة الرمزية عبدالله الثبيتي
 

 

 

افتراضي رد: أغاثا كريستي موسوعة روايات ملكة السرد الحي



انتهت متاعب آل كريستي المادية تدريجياً. انتقلا الى منزل في الريف وابتاعا سيارة، ثم سيارة أخرى. اشتريا منزلاً آخر واطلقا عليه اسم "ستايلز". لكن متاعبهما المالية عادت للظهور. توفت والدة أغاتا فاضطرت الى اخلاء منزل آشفيلد وتأجير ستايلز لفصل الصيف. مكث آرشي في ناديه في لندن وذهبت أغاتا وروزاليندا الى آشفيلد. وتأجير ستايلز لفصل الصيف. مكث آرشي في ناديه في لندن وذهبت أغاتا وروزاليندا الى آشفيلد. اخلاء منزل ليس مسألة سهلة لأنه مليء بالذكريات الجميلة. عملت أغاتا في جهد متلهفة للانتهاء من الأمر سريعاً. نال منها العمل المضني والأرق فانهارت. غلبتها التعاسة والتشوش. تلافى آرشي الذهاب الى هناك حتى في عطلة نهاية الاسبوع متذرعاً بأن الرحلة لفترة قصيرة تستلزم نفقات غير ضرورية. متوحدة، تعيسة ومنهكة، أدركت أغاتا انها مريضة. كانت تنسى اسمها لدى توقيع شيك وتذرف الدموع ان تعطلت سيارتها. حضرت شقيقتها مادج، وعاد آرشي أخيراً، لكنه كان مختلفاً. سألته أغاتا عن السبب فباح لها بأنه مغرم بالآنسة نانسي نيل وطلب الطلاق. كانت نانسي قد زارتهما في ستايلز برفقة أصدقاء آخرين ووجدتها أغاتا حاذقة. حاولت نان، صديقة أغاتا، أن تقنعها بالواقع المحتوم وحضتها على التفكير في مهنتها فقط



أين اختفت أغاتا كريستي؟

تشاجر آرشي وأغاتا فرمته هذه الأخيرة بوعاء خزفي صيني وصاحت: "لا تنسى أني قديرة على كل شيء حتى على الاختفاء" (2 كانون الأول 1926). لكن لا رجوع عن قرار آرشي.

صباح يوم الجمعة 3 كانون الأول 1926 غادر الرائد كريستي منزل ستايلز. علمت أغاتا من صديقتها نان أن آرشي ونانسي سيعقدان خطوبتهما سراً خلال عطلة نهاية الأسبوع في الكوخ في غودالمنغ. استقلت أغاتا سيارتها مساء اليوم نفسه الى جهة مجهولة وكان الضباب يغطي المنطقة.

صباحاً، لاحظت كارلو، سكرتيرة أغاتا غيابها، فأبلغت الرائد الذي عاد مسرعاً الى المنزل الزوجي، كانا يجهلان ان غجرياً وجد السيارة مخبأة في ظل أجمة. بلغ آرشي الشرطة التي وجدت داخل السيارة أوراقاً ثبوتية تحمل اسم أغاتا ماري كلاريسا كريستي، المولودة ميلر، كانت على المقعد الأمامي. لدى وصول آرشي الى المكان عصر يومذاك، باشر نائب رئيس الشرطة كينوودر التحقيق معه. كما حضر صحافيون استهواهم نبأ اختفاء روائية متخصصة في الغموض والجريمة. عم القلق المكان، إذ كان ثمة مستنقع قريب لاقى فيها العديد من السباحين حتفهم. أخبر آرشي الباحثين عن زوجته بأنها كانت محبطة في الفترة الأخيرة، وكان يأمل في العثور عليها. لكن المحقق كينوورد أراد معرفة المزيد فاستجوب كارلو. في حال انتحار اغاتا يغدو الرائد مشتبهاً به. كما في رواية بوليسية طرح السؤال نفسه في إلحاح: أين اختفت أغاتا كريستي؟

منحت صحف يوم الأحد القضية بعداً وطنياً، بل عالمياً، فتصدر صحيفة نيويورك تايمز العنوان الآتي: "اختفت الروائية أغاتا كريستي من منزلها". تطوع سكان بركشاير ونطلقوا باحثين عنها في المنطقة، وانضمت اليهم شخصيات بارزة كزميلة أغاتا، دوروثي سايرس، التي دافعت عنها في شدة حين نعت النقاد روايتها مقتل روجر أكرويد بالزائفة. كما حضر إدغار والاس الذي أزعجه شيوع النبأ فصرح لصحيفة ديلي ميل: "اعتقد أن السيدة كريستي قررت ان تخضع أحد المقربين منها لمزحة مزعجة. أرادت وضعه في موقف حرج"، وكان يعني بالتأكيد الرائد كريستي الذي وضع حداً لشكوك كينوورد بتقديمه كدفع غيبة تواجده برفقة الآنسة نانسي نيل في تلك الليلة. ومرت الأيام والصحف تنشر صورة المفقودة في كل أعدادها الى حد انها صارت معروفة من الجميع. وتوقف البحث عنها حين أبلغ أحد العاملين في فندق هيدور الى الشرطة عن سيدة شبيهة بها تقيم هناك منذ تسعة أيام وتزعم انها آتية من جنوب افريقيا. في اليوم التالي، وصل آرشي والصحافيون الذين يلاحقونه الى الفندق واصطحب زوجته تحت بريق أضواء الكاميرات.

استمر الصحافيون يحاصرون منزل والديّ زوج مادج حيث مكث الزوج، الى أن صرح لهم الرائد كريستي بصوت مرتجف ان الروائية عانت فقدان ذاكرة نتيجة الارهاق. لكن ذلك التوضيح لن يقنع أحداً فنشر الصحافيون المغتاظون فرضيات مختلفة.

تجرأ أحدهم على الادعاء أن ما حصل كان محاولة دعائية تهدف انعاش الكاتبة، فردت أغاتا على ذلك غاضبة وفي أسلوب تعوزه البراعة في مقابلة أجرتها معها صحيفة "ديلي ميل"، محاولة إظهار الأمر كسيناريو جائر في حق الموهبة التي يعترف لها النقاد بها. وفي وقت لاحق اجاد ريتشي كالدر التعبير عما حصل حين كتب في صحيفة "نيو ستيتمنت": بعد استعادة الحدث والتأمل فيه، يصعب تحديد المسؤول، الشرطة او الصحافة، عن تحويل تحقيق في قضية مفقودة الى حدث القرن الأكثر اثارة".

لعل بوارو هو أفضل المعبرين بقوله: "انك تلمع يا عزيزي هاستينغس الى ما تدعوه عملاً دعائياً جزئياً... لكن تأمل أمرين، أولاً أن السيدة في تلك الفترة لم تحتج الى الشعبية قط إذ كانت تتمتع بها. وأمر ثانٍ يفوق الأول أهمية، ويجب أخذه دوماً في الاعتبار في قضايا مماثلة، شخصية المشتبه بها المعروفة هل يسعك ان تتخيل سيدة متواضعة، منعزلة، تكره تدخّل الآخرين في شؤونها، تحول نفسها عمداً الى محور قضية تثير الرأي العام وتجذب اهتمام صحافة الوطن بأكمله؟ إن كنت لا تملك حلاً أفضل يا عزيزي هاستنغس فاقترح عليك ان تلزم الصمت".

لم تأتي أغاتا قط في ما بعد على عملية اختفائها، محترسة دوماً من الصحافيين والفضوليين. لم يشبع صدور سيرتها الذاتية (1977) فضول الذين انتظروا ان تزيل تلك المتكتمة الغموض عما حصل. لن تظهر الحقيقة إلا لاحقاً، في نهاية التسعينات، حين وافقت ابنة نان الوفية، جوديت غاردنر، على الكشف عن العمل الشائن. توجهت أغاتا صباح 3 كانون الأول الى شقة نان. كانت الصديقتان قد خططتا الخديعة الخبيثة في مكر لتوقعا بالزوج الخائن. لكن كلتا الصديقتين لم تتخيل قط الصدى الاستثنائي الذي ستعطيه الصحافة لهذا الحادث المتنوع.

باشر المحامي اجراءات الطلاق وبدأت أغاتا تستعيد خيوط حياتها. أولى أولوياتها أن تجني بعض المال فتحولت الى الكتابة. اشترت شقة في تشيلسي. أدخلت روزاليندا مدرسة داخلية، وحاولت تجديد حياتها من دون آرشي. كما قررت تمضية اجازة والذهاب الى جزر الكاريبي وجامايكا. لكن شاء القدر أن يتدخل فبدل وجهتها خلال حفل عشاء. ادركت أغاتا ان في استطاعة المرء الذهاب الى بغداد على متن قطار الشرق السريع. ألغت مخطط الجزر الكاريبية واستقلت ذلك القطار. تميزت رحلتها بالنجاح، وخاصة تلك الزيارة التي قامت بها لمواقع الكشف عن الآثار في "أمور". ثم زارت "أور" بناء على دعوة آل وولي الذين أشرفوا على عمليات التنقيب وحيث تعرفت الى زوجها الثاني، ماكس مالوان الذي عمل مساعداً للونارد وولي. عرض ماكس الزواج على أغاتا. ترددت لفترة طويلة لأن ماكس كان يصغرها بستة عشر عاماً لكنهما تزوجا أخيراً في 1930. خلال الحرب العالمية الثانية عمل ماكس كضابط ارتباط في شمال أفريقيا، بينما تطوعت أغاتا مجدداً للعمل في مستوصف مستشفى في لندن. انضمت الى ماكس في رحلاته السنوية لآثار سوريا والعراق مما منحها أفكاراً عديدة استعانت بها في مؤلفاتها.

ورغم فارق السن الكبير، أمضت أغاتا وماكس حياة زوجية سعيدة. أذيع في نشرة أخبار 9 آذار، 1954 قولها: "العالم بالآثار أفضل زوج تستطيع المرأة الحصول عليه. كلما تقدمت في السن كلما أثارت اهتمامه. لكن أغاتا كريستي نفت تلك الملاحظة في وقت لاحق.

استمرت أغاتا ناشطة جداً حتى النهاية. عينت رئيسة لـ"نادي الكشف البريطاني" عام 1967 ومنحت وساماً عسكرياً برتبة ضابط في الامبراطورية البريطانية عام 1956 ولقب سيدة برتبة ضابط في الامبراطورية البريطانية عام 1971.

توفت اغاتا في 12 كانون الثاني، 1976، سيدة راضية في منزلها في انكلترا. كتبت في سيرتها الذاتية التي أنجزتها وهي الخامسة والسبعين: "أحيا الآن زمناً مستعاراً، منتظرة في حجرة الانتظار الاستدعاء الذي لا مفر منه. من ثم انتقل الى العالم الآخر، مهما يكن. لحسن الحظ، ليس على المرء أن يقلق حيال ذلك... اني مستعدة الآن كي ألبي نداء الموت. كنت محظوظة على نحو استثنائي. لدي برفقتي زوجي، ابنتي، حفيدي، صهري الحنون، الاشخاص الذين يشكلون عالمي".





يتبع..








التوقيع

رد مع اقتباس